ملا محمد مهدي النراقي
21
جامع السعادات
إلى موسى : " يا موسى ! ما لك ولدار الظالمين ! إنها ليست لك بدار ، أخرج منها همك وفارقها بعقلك فبئست الدار هي ، إلا لعامل يعمل فيها فنعمت الدار هي ، يا موسى ! إني مرصد للظالم حتى آخذ منه للمظلوم " . وأوحى إليه : " يا موسى ! لا تركنن إلى حب الدنيا ، فلن تأتين بكيرة هي أشد منها " . ومر موسى ( ع ) برجل وهو يبكي ، ورجع وهو يبكي ، فقال موسى : " يا رب ! عبدك يبكي من مخافتك " ، فقال تعالى : " يا بن عمران ! لو نزل دماغه مع عينيه ورفع يديه حتى يسقطا لم أغفر له وهو يحب الدنيا ! " . وقال أمير المؤمنين ( ع ) - بعد ما قيل له صف لنا الدنيا - : " وما أصف لك من دار من صح فيها سقم ، ومن أمن فيها ندم ، ومن افتقر فيها حزن ، ومن استغنى فيها افتتن ، في حلالها الحساب ، وفي حرامها العقاب " . وقال ( ع ) : " إنما مثل الدنيا كمثل الحية ، ما ألين مسها وفي جوفها السم الناقع ، يحذرها الرجل العاقل ويهوى إليها الصبي الجاهل " . وقال في وصف الدنيا : " ما أصف من دار أولها عناء وآخرها فناء ، في حلالها حساب وفي حرامها عقاب ، من استغنى فيها فتن ، ومن افتقر فيها حزن ، ومن ساعاها فاتته ، ومن قعد عنها أتته ، ومن بصر بها بصرته ، ومن أبصر إليها أعمته " . وقال عليه السلام في بعض مواعظه : " ارفض الدنيا ، فإن حب الدنيا يعمي ويصم ويبكم ويذل الرقاب ، فتدارك ما بقي من عمرك ، ولا تقل غدا وبعد غد ، فإنما هلك من كان قبلك بإقامتهم على الأماني والتسويف حتى أتاهم أمر الله بغتة وهم غافلون ، فنقلوا على أعوادهم إلى قبورهم المظلمة الضيقة ، وقد أسلمهم الأولاد والأهلون ، فانقطع إلى الله بقلب منيب من رفض الدنيا وعزم ليس فيه انكسار ولا انخزال " . وقال عليه السلام " لتغرنكم الحياة الدنيا ، فإنها دار بالبلاء محفوفة ، وبالفناء معروفة ، وبالغدر موصوفة ، فكل ما فيها إلى زوال ، وهي بين أهلها دول وسجال ، لا تدوم أحوالها ، ولا يسلم من شرها نزالها ، بينا أهلها منها في رخاء وسرور إذا هم منها في بلاء وغرور ، أحوال مختلفة ، وتارات متصرمة ، العيش فيها مذموم ، والرخاء فيها لا يدوم ، وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة ترميهم بسهامها ، وتفنيهم بحمامها . واعلموا عباد الله إنكم وما أنتم فيه من